الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
74
شرح ديوان ابن الفارض
بزمزم . وجملة تخذوا زمزم جيّ : صفة حسان ، فهي في موضع جر وزمزم مفعول أول لتخذوا ولا ينصرف للعلميّة والتأنيث ، وجيّ : مفعوله الثاني والوقوف عليه بالسكون لغة . المعنى : نعمت الزمزمة الصادرة من شاد مترنّم محسن في ترنّمه بحسان تخذوا بئر زمزم مكانا لاجتماع مائهم ، أو اتخذوا وادي زمزم واديا لهم على ما سبق في بيان جيّ . وعلى كل تقدير فالمراد الحسان المقيمون بمكة شرّفها اللّه تعالى . وفي البيت الجناس التام المستوفى بين زمزم وزمزم ، وجناس الاشتقاق بين محسن وحسان . ( ن ) : الشادي المحسن هو الداعي إلى اللّه تعالى على بصيرة هو ومن اتّبعه ، فإن زمزمته صوت بعيد له دويّ مسموع لبعد عهده من زمن المصنّف فيسمعه العارف المحقّق مع بعده عنه من قبيل قوله تعالى : رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [ آل عمران : الآية : 193 ] ، وقوله : بحسان ، أي بأسماء حسان ، قال اللّه تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الأعراف : الآية 180 ] . وزمزم اسم بئر عند الكعبة كناية عن القلب المحمّدي وهو المفعول الأول لتخذوا ، وجيّ مفعوله الثاني وهي بالفتح بمعنى الدعاء إلى الطعام فإن ماء زمزم يتحرّك في نفس كل من شرب منه فيطلب العود كما هو المشهور ، فكأن هذه الحسان اتخذوا زمزم دعاء وطلبا لكل من ورد عليهم مرة أن يعود إليهم أيضا . ولا شك أن هذه الأسماء الإلهية الحسان اتخذوا ماء زمزم الذي هو ماء العلوم الإلهية والمعارف الربانية دعاء لكل من ذاقها وشرب نهلة منها على الطعام والشراب ، أي إلى الغذاء الروحاني المغني عن الطعام الجسماني ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « لست كأحدكم إني أبيت عند ربّي يطعمني ويسقيني » . اه . وجناب زويت من كلّ فجّ له قصدا رجال النّجب زيّ الواو في قوله : « وجناب » للقسم ، ويحتمل أن تكون للعطف على حسان ، والجناب : الفناء بكسر الفاء والمدّ ، والجناب أيضا الناحية . و « زويت » بالزاي على البناء للمجهول بمعنى جمعت . والفج : الطريق الواسع بين الجبلين . والرجال : جمع رجل ، وهو ابن آدم إذا احتلم وشبّ وقيل هو اسمه ساعة الولادة . و « النّجب » : على وزن قفل ، جمع نجيب ، وهو الكريم الحسب . و « زيّ » : مصدر زويت ، أي جمعت جمعا .